| الإنسان الأسود والحجارة البيضاء قف هنا , في هذه المدينة وهذا الشارع المملوء بالكتل اللحمية الغبية , انظر إلى تلك العمارة المبنية من الطوب فهي مغبرة وبالية توشك على الانهدام عند أقل هزة أرضية تقع بها , تراها تقع في منتصف الشارع ويحيط بها رذاذ الغبار من جميع الاتجاهات, أرأيت الرمل الأبيض كيف هو كالجبال الشاهقة؟ أو تلك الحجارة المبعثرة في أزقة الطرق؟ انذر من يلعب بها , انه ذلك العبد الأسمر ذو الأسنان الغليظة الناصعة البياض , والملابس التي تكسو جسده مليئة بالسواد... يذهب إلى هنا وهناك , يتجول كل يوم في أرجاء المكان ودائما تقع عينه على تلك العائلة التي تقطن في بيت مستقر في آخر الشارع , ينطلق نظره نحوهم , لا يستطيع منعه, فهو محروم مما أشبعهم -العائلة-. - ليس لديه أم ولا أب ولا حتى أخوة؟!!! - لا ,انه يملكهم في الواقع, ولكن إذا أمعنت النظر فيهم تراهم غير مكترثين لأمور بعضهم , الأم في حالة هستيرية دائمة عند تلك الجارة وعند الأخرى, أما الأب , يخرج من الصباح ولا يعود للبيت حتى ساعات متأخرة من الليل , والأخوة الذين يكبرونه سنا , لا يعلم أحد أين أراضيهم تقع ... - يا ولدي الأسمر هيا انهض لتذهب إلى المدرسة , ترشق على وجهه رشفات من الماء البارد. - لا أريد , فأنا أكرهها. تنهضه رغما عنه , وتذهب بكلماتها نحو ذلك السواد الذي يغشي جسده , فتعمل على تشريحه دون وعي منها , فيذهب هو متظاهرا نحو المدرسة ليبدأ بعدها رحلته اليومية داخل أعماق جسده فيبدأ بالتساؤل : - وما العيب في السواد؟ - ألا يعلمون أنه هو مظهر خارجي فقط وبداخلي أستطيع أن أوّزع على أمة كاملة بياضا ناصعا ؟ - ألا يدرون أن الله هكذا خلقني وهكذا أخرجني إلى الحياة ؟ - لا أهتم , فأنا لن أخسر شيئا إذ سمعت تلك الكلمات الجارحة كل يوم . انطلق نحو الحجارة كي يأخذ من صفاتها . القوة والصلابة , يتلاعب معها كطفل صغير يتلاعب بالمكعبات البلاستيكية , حتى أنها أصبحت الصديقة المقربة إليه – تلك الحجارة البيضاء- , يحدثها كل يوم , لا يقوى على فراقها يوما, وكيف يستطيع ؟ وهي أغلى ما يملك ... فقد أعطته مواصفات الرجل الجيد الذي يستطيع مواجهة الأيام الصعبة . انتهى من تلك الحجار ة الحبيبة وذهب إلى ذلك البيت المشحون بشحنات من المودة والحب والرأفة , يراقب من بعيد ... - أم ترضع طفلها الصغير وتداعبه ( ما أحنك أيتها الأم , فأمي كانت تكتفي بإرضاعنا من تلك القوارير البلاستيكية الاصطناعية ). - والولد الكبير يرجع إلى البيت حاملا بيده كيسا بداخله بعضا من لوازم البيت نتيجة جهده المتواصل في العمل ( يتحمل مسؤولية نفسه وغيره ويساعد والده على تحمل شقاق الحياة ). - وتلك الطفلة مع أخوها الذي يكبرها بقليل يتلاعبان بالأوراق والألوان , يرسمون شجرة و وردة حمراء ( براءة الطفولة في أعينهم ). بدأت دموعه تتجمع على تضاريس وجهه فتملؤها بالماء المالح , تذكر الحجارة فذهب عندها , وبدأ يجهش بالبكاء حتى أنه لا يعرف السبب الحقيقي لبكائه , ربما هو الحرمان في ظل أسرة سعيدة وربما غير ذلك لا يدري. وبعد كل الدموع التي انسالت كالشلال , تقدمت إليه حجرة بيضاء ومدّت يدها فإذ بها تمسح دموعه ببياضها الناصع وتحول لون جسده إلى البياض وكأنه هالة من نور , و أعطته جرعات من الأمل والقوة والصلابة , ليعود بعدها إلى البيت وبداخله كلاما كثيرا يريد به إخبار أمه , ولكنها لم تدرك مدى خطورة أقوال ولدها ... فتركته وحيدا وعادت من حيث أتت إلى تلك الجارة تكمل حديثها .
الإنسان الأسود والحجارة البيضاء
|